فصل: سؤال: فان قيل: متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في نور؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.سؤال: فان قيل: متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في نور؟

فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال، إخراج لهم من ظلام الكفر، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به عن الهدى، إخراج لهم من نور الهدى، والإخراج مستعار هاهنا: وقد يقال للممتنع من الشيء: خرج منه، وإن لم يكن دخل فيه.
قال تعالى: {إِني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} [يوسف: 37].
وقال: {ومنكم من يردُّ إِلى أرذل العمر} [النحل: 70].
وقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى: {وإِلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210].
والثاني: أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نورٌ لهم، وكفرهم به بعد أن ظهر، خروج إلى الظلمات.
والثالث: أنه لما ظهرت معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان المخالف له خارجًا من نور قد علمه، والموافق له خارجًا من ظلمات الجهل إلى نور العلم. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قوله جلّ ذكره: {اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا}.
الولي بمعنى المتولي لأمورهم، والمتفرد بإصلاح شؤونهم، ويصح أن يكون الولي على وزن فعيل في معنى المفعول فالمؤمنون يتولون طاعته. وكلاهما حق: فالأول جمع والثاني فرق، وكلُّ جمع لا يكون مقيدًا بفرقٍ وكلُّ فرقٍ لا يكون مؤيدًا بجمع فذلك خطأ وصاحبه مبطل والآية تُحْمَلُ عليهما جميعًا.
{يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}.
يعني بحكمه الأزلي صانهم عن الظلمات التي هي الضلال والبدع، لأنهم ما كانوا في الظلمات قط في سابق علمه.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ}.
ما استهواهم من دواعي الكفر.
{يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
باستيلاء الشُبَه على قلوبهم، فيجحدون الربوبية، أولئك الذين بقوا عن الحق بقاء أبديًا.
ويقال بخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سعة شهود تقديره.
ويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يَصِلُون إليه بشيء من سكناتهم وحركاتهم.
ويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظِلْ أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته.
ويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم.
ويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم. اهـ.

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قوله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ}.
أفرد الولي هنا لأن الإيمان من لوازمه التوحيد والكفر من لوازمه الشرك وتعدد الآلهة.
قوله تعالى: {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور}.
وأورد الزمخشري في أول سورة الأنعام سؤالا فقال: لأي شيء جمع الظلمات وأفرد النور وحقه إن كان يورده هنا؟ وأجاب بتعدد طريق الشرك واتحاد طريق الإيمان.
قال ابن عرفة: وإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور بالفعل حقيقة، لأنهم كانوا كافرين فآمنوا، والكافرون كانوا في مظنة الإيمان أو القبول إلى الإيمان فأخرجهم إلى التصميم على الكفر والقسمة رباعية كفر مستديم إلى الموت وإيمان دائم إلى الموت وكفر بعد الإيمان وإيمان بعد كفر فتضمنت الآية القسمين الأخيرين.
قال ابن عرفة: إما أن يتجوز في لفظ {آمَنُواْ} فيريد به المستقبل ويبقى {يخرجهم} على ظاهره، أو يبقى {آمَنُواْ} على ظاهره ويتجوز في لفظ {يُخْرِجُهُم} وغلب في الآية مقام الوعظ والتخويف على مقام البشارة فلذلك لم يقل في الأول: {أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وذكر في الثاني. اهـ.

.قال البيضاوي:

إسناد الإِخراج إلى الطاغوت باعتبار التسبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته بها. اهـ.

.قال ابن عاشور:

أعيد الضمير إلى الطاغوت بصيغة جمع العقلاء لأنّه أسند إليهم ما هو من فِعل العقلاء وإن كانوا في الحقيقة سبب الخروج لا مُخرجين. اهـ.

.قال أبو حيان:

وقد تباين الإخبار في هاتين الجملتين، فاستفتحت آية المؤمنين باسم الله تعالى، وأخبر عنه بأنه ولي المؤمنين تشريفًا لهم إذ بدئ في جملتهم باسمه تعالى، ولقربه من قوله: {والله سميع عليم} واستفتحت آية الكافرين بذكرهم نعيًا عليهم، وتسمية لهم بما صدر منهم من القبيح.
ثم أخبر عنهم بأن أولياءهم الطاغوت، ولم يصدّر الطاغوت استهانة به، وأنه مما ينبغي أن لا يجعل مقابلًا لله تعالى، ثم عكس الإخبار فيه فابتدأ بقوله: أولياؤهم، وجعل الطاغوت خبرًا.
كأن الطاغوت هو مجهول.
أعلم المخاطب بأن أولياء الكفار هو الطاغوت، والأحسن في: يخرجهم ويخرجونهم أن لا يكون له موضع من الإعراب، لأنه خرج مخرج التفسير للولاية، وكأنه من حيث إن الله ولي المؤمنين بين وجه الولاية والنصر والتأييد، بأنها اخراجهم من الظلمات إلى النور، وكذلك في الكفار.
وجوّزوا أن يكون: يخرجهم، حالًا والعامل فيه: ولي، وأن يكون خبرًا ثانيًا، وجوّزوا أن يكون: يخرجونهم، حالًا والعامل فيه معنى الطاغوت. اهـ.

.قال التستري:

قال سهل في قول الله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ} [257] أي ولاية الرضا فهو المتولي لهم بما سبق لهم من هدايته ومعرفته إياهم على توحيده وذلك لعلمه بتبرئهم من كل سبب إلا من خالقهم فأخرجوا من الظلمات إلى النور ومن الكفر والضلالة والمعاصي والبدع إلى الإيمان وهو النور الذي أثبته الحق عزَّ وجلَّ في قلوبهم وهو نور بصيرة اليقين الذي به يستبصرون التوحيد والطاعة له فيما أمر ونهى {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] قوله عزَّ وجلَّ: {والذين كفروا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت} [257] أي الشيطان. قال سهل: ورأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء، لأن الشيطان لا يقدر على الإنسان إلاَّ من طريق هوى النفس، فإن أحس منها بما تهم به ألقى إليها الوسوسة. اهـ.

.من فوائد الشنقيطي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور}.
صرح في هذه الآية الكريمة بأن الله ولي المؤمنين، وصرح في آية أخرى بأنه وليهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليهم وأن بعضهم أولياء بعض وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ} [المائدة: 55] الآية وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين وهو قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ} [محمد: 11]، وصرح في موضع آخر بأن نبيه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] وبين في آية البقرة هذه، ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة: 257] وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى: {ألا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يونس: 62- 63]، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولى نبيه صلى الله عليه وسلم وأنه أيضًا يتولى الصالحين وهو قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين} [الأعراف: 196].
قوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور}.
المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة. لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة. لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله: {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات. لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] وقال تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] وقال تعالى: {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال} [ق: 17] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه منه بلفظه. قوله تعالى: {والذين كفروا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت} [البقرة: 257] الآية. قال بعض العلماء: الطاغوت الشيطان ويدل لهذا قوله تعالى: {إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175] أي يخوفكم من أوليائه وقوله تعالى: {الذين آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغوت فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76] وقوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 50] الآية وقوله: {إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 30] الآية. والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان} [يس: 60] الآية وقال: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} [النساء: 117] وقال عن خليله إبراهيم: {يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان} [مريم: 44] الآية وقال: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] إلى غير ذلك من الآيات. اهـ.

.من لطائف ابن القيم في الآية:

قال رحمه الله:
قال الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}.
فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدوهم فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات وقال تعالى أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فاحياؤه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الليلة الظلماء فهو يرى أهل الظلمة في ظلامتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان. اهـ.
ثم قال رحمه الله:
فصل في أن الخارجين عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأن اتباعهم يتقلبون في عشرة أنوار، والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات ظلمة الطبع وظلمة الجهل وظلمة الهوى وظلمة القول وظلمة العمل وظلمة المدخل وظلمة المخرج وظلمة القبر وظلمة القيامة وظلمة دار القرار فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاثة.
وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار ولهذه الأمة من النور ما ليس لأمة غيرها ولنبيها وآله من النور ما ليس لنبي غيره فإن لكل نبي منهم نورين ولنبينا وآله تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة. اهـ.